الشيخ محمد رشيد رضا
91
الوحي المحمدي
الملك أن عقب رؤيته حصول مأموله وتحقق رجائه ، ولم يخف منه على نفسه ، وإنما كان الباعث لهذا الاختلاء والتحنث اشتداد الوحشة من سوء حال النّاس والهرب منها إلى الأنس باللّه تعالى والرجاء في هدايته إلى المخرج منها ، كما بسطه شيخنا الأستاذ الإمام في تفسير قوله تعالى من سورة الضحى : وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى [ الضحى : 7 ] ، وما يفسره من قوله عزّ وجلّ في سورة الشورى : وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 52 ) صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ [ الشورى : 52 ، 53 ] ، وألمّ به في رسالة التوحيد إلماما مختصرا مفيدا ، فقال : « من السنن المعروفة أنّ يتيما فقيرا أميا مثله تنطبع نفسه بما تراه من أول نشأته إلى زمن كهولته ، ويتأثر عقله بما يسمعه ممن يخالطه لا سيما إن كان من ذوى قرابته ، وأهل عصبته ، ولا كتاب يرشده ، ولا أستاذ ينبهه ، ولا عضد إذا عزم يؤيده ، فلو جرى الأمر فيه على جارى السنن لنشأ على عقائدهم ، وأخذ بمذاهبهم إلى أن يبلغ مبلغ الرجال ، ويكون للفكر والنظر مجال ، فيرجع إلى مخالفتهم ، إذا قام له الدليل على خلاف ضلالاتهم ، كما فعل القليل ممن كانوا على عهده « 1 » . ولكنّ الأمر لم يجر على سنته ، بل بغضت إليه الوثنية من مبدأ عمره ، فعاجلته طهارة العقيدة ، كما بادره حسن الخليقة ، وما جاء في الكتاب من قوله : وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى لا يفهم منه أنه كان على وثنية قبل الاهتداء إلى التوحيد ، أو على غير السبيل القويم ، قبل الخلق العظيم ، حاشا للّه إن ذلك لهو الإفك المبين ، وإنما هي الحيرة تلم بقلوب أهل الإخلاص فيما يرجون للناس من الخلاص ، وطلب السبيل ، إلى ما هدوا إليه من إنقاذ الهالكين ، وإرشاد الضالين ، وقد هدى اللّه نبيه إلى ما كانت تتلمسه بصيرته باصطفائه لرسالته ، واختياره من بين خلقه لتقرير شريعته » أ . ه . ( أقول ) وجملة القول أن استعداد محمد صلّى اللّه عليه وسلم للنبوة والرسالة عبارة عن جعل اللّه تعالى روحه الكريمة كمرآة صقيلة حيل بينها وبين كل ما في العالم من التقاليد الدينية والأعمال الوراثية والعادات المنكرة ، إلى أن تجلّى فيها الوحي الإلهى بأكمل معانيه ، وأبلغ مبانيه ، لتجديد دين اللّه المطلق الذي يرسل به رسله إلى أقوامهم خاصة بما يناسب حالهم واستعدادهم ، وأراد إكمال الدين به فجعله خاتم النبيين ، وجعل رسالته عامة دائمة ، لا يحتاجون بعدها إلى وحى آخر .
--> ( 1 ) كأمية بن أبي الصلت وعمرو بن نفيل .